ويعني عموم هذا القانون أن منزلة الفاعل لا تغيّر طبيعة فعله. يذكر داو لان في خاتمته للكتاب أن الثروة والمكانة والشهرة والعمر ولون البشرة لا تعفي أحداً من عواقب أعماله. ويشمل القاضي في ذلك من لهم انتماء ديني ومن لا انتماء لهم. وحتى بوذا والبوديساتفات، الذين ينسب إليهم الكتاب الحكمة والرحمة، يعينون الكائنات وفق هذا القانون، من خلال التعليم والتأييد الروحي وما يصاحب الإصلاح من أسباب جديدة.
وقد يتشابه الفعل الظاهر وتختلف النية اختلافاً كبيراً. يورد إله المدينة، المسؤول عن سجلات الولادات المتعاقبة، مثال ثلاثة أشخاص يشترون الثوب الأسود نفسه. يريده الأول هدية لجار فقير، ويهيّئه الثاني للسرقة ليلاً، أما الثالث فلا غرض خاصاً له، وإنما اشتراه لأن البائع اقترحه. يسمّي الكتاب الأول عملاً خيّراً والثاني عملاً شريراً، ويصف الثالث بأنه محايد أخلاقياً، أي لم يصدر عن قصد الخير أو الشر. ومع ذلك يذكر لمن تغلب عليه الأعمال المحايدة ولادةً بين البشر أو في مسار الأشباح؛ فالحياد هنا وصف للقصد، وليس خروجاً من دورة الولادة والموت.
وللقصد مسار يتدرّج فيه: ينشأ خاطر، ثم قد يستبقيه المرء ويسترسل معه، وقد يتحول إلى فعل. يهتم الكتاب بمراجعة النفس منذ البداية، ويجعل للنشاط الذهني نفسه أثراً، مع تمييزه في أحكام محددة بين ما بلغ التنفيذ وما لم يبلغه. ويكون التوقف والندم حينئذ جزءاً مما يغيّر ما سيأتي، قبل أن يتسع الضرر.
ومن ذلك حكم خاص بمشاهدة المواد الإباحية يخصّ غير المتزوجين الذين لم يسبق لهم اتصال جنسي بشخص من الجنس الآخر: إذا لم ينتقلوا من المشاهدة إلى الفعل وبادروا إلى الندم، يذكر النص تخفيفاً للتبعة. وتبقى المشاهدة في حكمه مخالفة؛ فهو ينسب إلى المرة الواحدة نقص شهر من العمر، وإلى استمرارها نقص سنة أو أكثر. تتحدد دلالة هذا الحكم بمن يتناوله وبما فعله وبمراجعته اللاحقة لنفسه. أما المطالبة الأشدّ بالانتباه لأدقّ الخواطر فتأتي ضمن الممارسة الخاصة بترك المخالفات الجنسية، التي يشرحها الفصل الرابع.
وتدخل الأفعال في حياة مشتركة أيضاً. فقد تغيّر كلمات شخص علاقةً داخل أسرة، وقد يظلّ كتاب متداولاً بعد وفاة صاحبه. لذلك يسأل النص عن الأذى الذي يستمرّ انتقاله وعن الخير الذي يظلّ نفعه قائماً. ويتحدث عن الكارما المشتركة عند تفسير أحوال تجمع كائنات كثيرة، وعن أعمال كل فرد عند بيان تجربته الخاصة. ولا تختفي أفعال الأفراد ومقاصدهم ومسؤولياتهم داخل الحال المشتركة.
فهل يبقى للتغيّر معنى ما دامت أعمال الماضي تؤثر في الحاضر؟ يجيب داو لان بالنظر إلى النتيجة قبل نضجها: يكون السبب قد نشأ، لكن الشروط التي تساعده على الإثمار قد تتغير بالرجوع عن الخطأ وفعل الخير. وحين يتوقف الأذى ويتبدل السلوك، يضيف الإنسان إلى مستقبله ما لم يكن قائماً من قبل. وللندم في الكتاب معنى ديني يتصل بتنقية الكارما السابقة كذلك، وسيأتي تفصيله مع الحديث عن الإصلاح.
وتتجه مراجعة النفس بهذا المعنى إلى ما يستطيع المرء تحمّل مسؤوليته: هل يواصل الأذى؟ هل يفي بوعده؟ وهل يظهر اعترافه بالخطأ في سلوكه؟ أما تفسيرات المرض والفقر والعلاقات العائلية في الكتاب، فترد في أقوال تخصّ أشخاصاً وحالات معينة. ولا توفّر تلك الحالات طريقةً لاستنتاج أفعال الناس في حياة سابقة من أحوالهم الراهنة وحدها. ويبقى أن نفهم لماذا ينظر الكتاب إلى الحياة الراهنة بوصفها جزءاً من حياة أطول.
استمرار الحياة
حين نتحدث عادة عن عمر إنسان نبدأ بولادته وننتهي بموته. أما هذا الكتاب فيوسّع النظر في الاتجاهين: للكائن منشأ قبل مجيئه إلى العالم البشري، وله وجهة بعد مغادرته. ويشرح الإمبراطور السماوي ذلك بلغة الموطن والسجلّ؛ فالموطن الأصلي للكائنات في العوالم السماوية، وإقامتها لاحقاً بين البشر أو في الجحيم تُدرج في سجلّ فرعي. ويستثني قلة من البوذات والبوديساتفات الذين ينزلون وفاءً بعهدهم على إنقاذ الكائنات. وبألفاظ الموطن والإقامة والعودة يقرّب هذا القول معنى الانتقال بين أحوال الحياة.
وتتصل العودة باستعادة صفاء الطبيعة أيضاً. يقول القاضي إن كائنات المسارات الستة تملك نوراً أصلياً تحجبه العادات الراسخة والأعمال المؤذية، وإن استعادته قد تستغرق وقتاً قصيراً أو زمناً بالغ الطول. ويروي الكتاب في موضع آخر نزول كائنات من سماء النور والصوت وفقدانها بعض قدراتها الأولى. ويرتبط تعبير «بداية الدورة الكونية» بتلك البدايات، بينما يشير الحديث عن أفول التعاليم إلى زمن تزداد فيه صعوبة الممارسة. وهذه أقوال دينية عن منشأ الحياة وتحوّل أحوالها عبر الزمن.