الأسرة والمسؤولية اليومية
يتلقى الإنسان الرعاية قبل أن يستطيع فهم مقدار ما يبذله والداه من أجله. وقد تمرّ أعوام حتى يدرك ما تضمّنه ذلك من عمل وصبر. ومن هذه الرعاية يبدأ معنى «شياو»، أي برّ الوالدين: توفير ما يحتاجان إليه حين يتقدمان في السن، والاهتمام بصحتهما وحياتهما، ومعاملتهما باحترام وصبر. يجد ردّ الجميل هنا صورته في أفعال حاضرة، وتعود صلة الأعمال بنتائجها إلى معاملة أقرب الناس إلينا.
وقد يريد المرء أن يمنح قريبه خيراً لا تتوافر له بعد شروط الانتفاع به. ففي أحد مقاطع الكتاب ترغب المؤلفة في الاحتفاظ لأبيها بثمرة سماوية أهداها إليها الإمبراطور السماوي. يثني على برّها، لكنه يقول إن أباها لم يستجمع بعد ما يتيح له الانتفاع بتلك الثمرة، ويطلب منها أن تأكلها. ثم يعدّ إتمام الكتاب ونشره بين الناس أفضل هدية تقدّمها إليه هو. نال قصدها البارّ الثناء، وبقي انتفاع الأب بالثمرة مرتبطاً بما لديه من خير سابق.
وقبل الوالدين أجيال سبقتهم. تحدد الأسماء وألقاب القرابة على ألواح الأسلاف مَن تتوجّه إليه الأسرة بذكراها وقرابينها. ويستعمل الكتاب تعبيراً تراثياً هو «جيو شيوان تشي تسو»، يتضمن العددين تسعة وسبعة، ليشمل أجيال الأسلاف. ولا يقدّم في هذا الموضع طريقة ثابتة لعدّ تلك الأجيال. يرد التعبير مع رجاء أن ينفع عمل الأحفاد أسلافهم ويساعدهم على الخلاص من المعاناة.
ويرجع الكتاب بعض صلات القرابة إلى معروف أو خصومة لم تنته في حياة سابقة. ويشرحها بأربعة معانٍ: ردّ الإحسان، ومقابلة الأذى، والمطالبة بما بقي في الذمّة، والوفاء به. وقد يكون الدَّيْن مالاً، وقد يتصل بما تركته المساعدة أو المظلمة بين الناس. وضمن استمرار الحياة، يستعمل الكتاب هذه المعاني لتفسير اجتماع أشخاص مرة أخرى في أسرة واحدة.
وللّقاء أسباب ماضية، لكن المعاملة الحاضرة تغيّر ما سيصير إليه. فقد تتحول صلة نشأت لردّ الجميل إلى ضغينة بسبب أذى جديد، وقد يتوقف اشتداد خصومة حين يترك أصحابها الانتقام ويصلحون ما صدر منهم. ولا تكفي طباع طفل أو خصومة عائلية ليعرف من يراقبها صلةً مفترضة في حياة سابقة. أما ما يمكن تحمّل مسؤوليته الآن فهو الرعاية والتربية والسلوك الشخصي.
ويحتاج الحديث عن فقدان الحمل إلى تحديد ما حدث أولاً. يفرّق الكتاب بين الفقد غير المتعمّد، ومن أمثلته موت الجنين في الرحم والحمل العنقودي ومرض الحامل، وبين الإجهاض المتعمّد. وفي الحالة التي يعزوها القاضي إلى عدم كفاية ما لدى روح الجنين من خير يتيح ولادتها، يقول إن الوالدين لا يدخلان الجحيم عقاباً على ذلك الفقد، مع دعوتهما إلى الندم على أعمال سابقة وإهداء فضل التلاوة إلى الطفل. وهذا تفسير ديني للفقد وصلة الوالدين بالطفل، لا تشخيص لأمراض الحمل.
ويصف الكتاب مكانين مختلفين للإقامة تبعاً لهذين النوعين من الفقد. تسكن أرواح الأجنّة التي لم تُولد بسبب فقد غير متعمّد في «مدينة التلوّث بالدم»، حيث يبرز وصف الوحدة؛ أما الأرواح بعد الإجهاض المتعمّد فتقيم في «مدينة البكاء للموتى ظلماً»، مع ما بقي من ضغائن وانتظار للتغيّر. وتُبيَّن مسؤولية الوالدين والطبيب المشارك ومن نجح في التحريض بحسب فعل كل منهم. ويطلب النص ندماً صادقاً وعمل خير مستمراً رجاءَ انتقال الطفل إلى حال أفضل، ولا يجعل تعبير شخص آخر عن الندم بديلاً عن تغيّر صاحب الفعل.
وبعد الولادة تشمل التربية الطعام والكساء، كما تشمل القدوة والاهتمام والتوجيه. وعند تناول حالة فتى، يذكر الكتاب ضعف التوجيه الذي تلقاه من والديه وأفعاله هو، مع مسؤولية كل طرف. وفي حكم آخر يخصّ أباً حثّ على الإجهاض ثم وُلد الطفل، يجيز النص إعفاءه من تبعة ذلك التحريض إذا ندم بصدق، وأحسن إلى الطفل وربّاه، وحثّ غيره على ترك الإجهاض. يأخذ الإصلاح هنا صورة رعاية تستمرّ، إلى جانب الاعتراف بالخطأ.
وعند نقد السلوك في المجتمع المعاصر، يستعيد هذا الكتاب ألفاظاً من نظام الأسرة والأخلاق النسائية في تاريخ الصين. فتشير «الطاعات الثلاث» إلى طاعة الأب قبل الزواج، ثم الزوج، ثم الابن بعد وفاة الزوج. وتتناول «الفضائل النسائية الأربع» الخُلُق والكلام والهيئة ومهارات تدبير المنزل. تحمل هذه الألفاظ ترتيباً تاريخياً للأدوار والمكانة، وهو أخصّ من المعنى العام الذي نعطيه اليوم لفضائل الحياة العائلية.