تُصنع منصة مرآة الآثام من خشب مقدس وزجاج نفيس يؤخذان من عالم الأحياء، ثم تُجمع فيهما الطاقة الروحية لليِن واليانغ في السماء والأرض حتى تتكثف وتتكون المنصة. وفي هذه الطاقة الروحية لليِن واليانغ في السماء والأرض، يمثل اليانغ النور والكارما الحسنة. فإذا فعل الإنسان في عالم الأحياء الخير طوال حياته، كانت روحه مضيئة؛ وحين يأتي إلى منصة مرآة الآثام لا يكون هناك إلا النور، ولا تُعرض أي صور، ولذلك لا يحتاج الأخيار إلى الوقوف أمام مرآة الآثام. أما اليِن فيمثل الظلمة والظلال، أي الكارما السيئة. فما دام الإنسان قد ارتكب أي فعل سيئ في حياته، مهما كان خفيًا، فإنه يعرفه بوضوح في قلبه. وتُختزن هذه الأفعال كلها في وعي آلايا106، وعلى مرآة القلب في أعماقه، فتظهر في داخله مساحة من الظلال.
ولأن منصة مرآة الآثام تكونت أصلًا من اجتماع طاقتي اليِن واليانغ، فإنها ما إن تلتقي بالطاقة الروحية اليِنية للكارما السيئة لدى الروح الآثمة، حتى تتفاعل طاقة المنصة مع طاقة تلك الروح وتتصل بها فورًا، فتُعرض في الحال الأفعال السيئة التي ارتكبتها الروح طوال حياتها، وتنكشف حقيقتها كاملة، بلا شيء يبقى مستورًا وبلا مكان للاختباء. وهذا هو ما تقوله «سوترا أفاتامساكا»: ‹من أراد أن يعرف جميع البوذات في الأزمنة الثلاثة، فليتأمل طبيعة عالم الدارما؛ فكل شيء من صنع الذهن وحده›، أي إنه إسقاط للذهن.107
يكفي أن تقف الروح الآثمة أمام منصة مرآة الآثام حتى تُعرض، واحدًا واحدًا، جميع آثامها السرية طوال حياتها، كبيرها وصغيرها. وما إن تبدأ المنصة العرض، حتى يستطيع كل من يقف حولها من الكائنات أن يرى في الوقت نفسه جميع آثام تلك الروح وأفعالها السيئة. وتشعر أرواح آثمة كثيرة بالخزي والندم والرعب والخوف، لكن لا يعود للندم أي دواء؛ فلا يسعها إلا أن تُجرّ عاجزة على أيدي أعوان العالم السفلي الشرسين، لتواصل عقوبات الجحيم الطويلة المؤلمة.
أما الإنسان الذي يفعل الخير ويجمع الاستحقاق طوال حياته، ويكون مستقيمًا صريحًا، ولا يخفي في قلبه شيئًا، وتكون فيه طاقة اليانغ الخالصة والبالغة الخير، فحين يأتي إلى منصة مرآة الآثام تبقى المرآة خالية تمامًا. ومن يفعل الخير طوال حياته لا يحتاج إلى المجيء للوقوف أمام هذه المنصة؛ فعند انقضاء عمره يرتقي مباشرة بحسب درجة إشراق روحه، وكلما كانت الروح أكثر إشراقًا ارتقت أعلى. فمنهم من يرتقي إلى أراضي بوذا في جهات أخرى تربطه بها صلة، ومنهم من تستقبله آلهة خيّرة ذات بركات واستحقاق وتقوده إلى الولادة في العالم السماوي. أما الأجساد الروحية التي لم تفعل خيرًا ولا شرًا، فبعد أن تُنظر قضاياها في القاعات العشر، تُرسل لتولد في عالم البشر108؛ وبحسب مقدار بركاتها تولد ذكورًا أو إناثًا، غنية ذات مكانة أو فقيرة، طويلة العمر أو قصيرة العمر، وما إلى ذلك. وأما مرتكبو الكارما السيئة، فعليهم المجيء إلى منصة مرآة الآثام، ليروا أمام أعينهم جميع أفعالهم السيئة طوال حياتهم، ثم يأخذهم أعوان العالم السفلي وهم خجلون عاجزون.»
«يا آ يو، تعالي معي لزيارة القاعة الكبرى لمرآة الكارما في العالم السفلي.»
«أمرك، يا قاضي العالم السفلي!»
أرى الآن أمامي أناسًا كثيرين. وهناك مرآة كبيرة بيضاوية الشكل وعريضة جدًا، وقال قاضي العالم السفلي إن هذه هي منصة مرآة الآثام. وكُتب في أعلى المرآة: «لا أخيار أمام منصة مرآة الآثام». وطلب مني القاضي أن أقيسها.
يبلغ ارتفاع منصة مرآة الآثام نحو 3.3 أمتار، وعرضها 1.8 متر. ويبدو أن مرآة الآثام تستند إلى قاعدة خشبية مستطيلة بلون أخضر مزرق، نُقشت عليها زخارف بارزة. ووجه المرآة من الزجاج النفيس، وتحيط بحوافه زخارف خشبية بارزة باللون الأخضر المزرق؛ وهذا الزجاج النفيس هو الشاشة الكبيرة التي تعرض الأفعال الآثمة التي ارتكبتها الروح طوال حياتها. وتنبعث من الزخارف الخشبية البارزة على المنصة أضواء خافتة متلألئة، ومع أعوان العالم السفلي الشرسين ذوي الوجوه المخيفة الواقفين بجانبها، يبعث المشهد على رعب شديد! ويضاف إلى ذلك ما تعرضه المنصة من الأفعال السيئة الخفية لبعض الأرواح الآثمة، التي لم يكن الناس يعلمون بها في حياتهم. وها هي الأرواح والأدلة على آثامها مجتمعة أمام العيون؛ إن رؤيتها لتجمّد القلب من الخوف، فيزداد المشهد رعبًا فوق رعب!
الأرواح الآثمة هنا قد انقضت أعمارها للتو، وقد بدأت جميعها تشعر بأجواء العالم السفلي، وعلى وجوه معظمها الهم والكآبة. سمعتُ قبل قليل رجلًا يقول: «لم أقتل أحدًا ولم أُضرم حريقًا طوال حياتي، فلماذا تجرّونني إلى هنا؟ أخرجوني!» ورأيتُ اثنين من أعوان العالم السفلي الشرسين يجرّان رجلًا ويدفعانه بقوة إلى أمام منصة مرآة الآثام، فأُجبر على الركوع وهو يتألم بشدة. وظهرت في المرآة الواسعة فورًا مشاهد من سوء سلوكه الجنسي طوال حياته، ولم تكن مع امرأة واحدة فحسب؛ وكانت مشاهد لا تُطاق رؤيتها. هذا ما يُسمى سوء السلوك الجنسي المفرط؛ فقد أغضب زوجته الشرعية حتى لزمت فراش المرض وماتت كمدًا. ولحسن الحظ أن هذه الأشياء لا تؤثر فيّ، وإلا لاضطررتُ إلى غسل عينيّ بعد مشاهدتها! وفي تلك اللحظة كانت ساقا الروح الآثمة ترتجفان، ثم جرّها أعوان العالم السفلي بعيدًا.
ثم نظرتُ إلى الروح الآثمة التالية، وكانت امرأة. بدت هذه المرأة رقيقة الملامح، حسنة الهيئة، ولم أدرِ ما الإثم الذي ارتكبته. وعرضت مرآة الآثام أنها اتبعت شخصًا من أصدقائها في الافتراء على رجل بوذي من غير الرهبان، كان ينشر الدارما ويلتزم بالوصايا التزامًا صارمًا. وكانت هذه الروح الآثمة نفسها تدرس البوذية، بل كانت واسعة المعرفة بتعاليمها. لكن المؤسف أن الغيرة نشأت في قلبها، فتعمدت الافتراء على ذلك الرجل البوذي الملتزم بالوصايا والناشر للدارما، وزعمت أنه اغتصب شخصًا ما. ولأن الافتراء نجح، لم يعد أحد يأتي ليستمع إلى الدارما، فلم يجد الرجل بدًا من الاعتزال للممارسة.