فلأقترب منها وأتحدّث معها قليلًا. تلوتُ أمامها «أميتابها» مرة، وسألتُها: «لماذا تكرهين والديك إلى هذا الحدّ؟ ألا تتركين الأمر ولا تعودين للبحث عنهما؟ فهما على أيّ حال لا يريدان بنتًا، وإن وُلدتِ لهما فلن يحسنا معاملتك، فلماذا تعذّبين نفسك؟»
عندئذ عادت روح الجنين الأنثى إلى النحيب بصوت عالٍ. وقالت إن ذلك غير ممكن؛ فحتى لو ذهبا إلى أقاصي الأرض، فلا بدّ أن تثأر، ولن تدع والديها أبدًا.
وقالت بانفعال وألم شديدين إنهما قتلاها للمرة الثانية. وعند الإجهاض الثاني، حتى الطبيبة قالت إن فعل ذلك ينطوي على خطر، لكن والديها قالا إن الأهم هو الحفاظ على سلامة الأم؛ أما الطفل، فلم يعودا يريدانه، فليُستخدَم الأسلوب الأكثر نفعًا للأم لإنهاء الأمر.
وقالت روح الجنين الأنثى باكية إنها كانت وقتها تضرب بيديها وتركل بقدميها بكل ما لديها من قوّة داخل بطن أمّها، آملة أن تتمكّن من الخروج أبكر قليلًا. لكن الطبيبة ضغطت بيدها على رأسها وأعطتها حقنة، فشعرت فجأة بدوار وألم في جسدها كلّه، وبزوال قوّتها. ثم قطعت الطبيبة يدها اليمنى أولًا بالمقص إلى قطعتين، وأمسكتهما بالملقط وأخرجتهما، ثم قطعت قدميها إلى أربع قطع، وسحبتها بأداة شفط. وكانت تشعر حينها بألم شديد وبرد ينفذ إلى العظام، ولقي جسدها المصير نفسه.
واصلت روح الجنين الأنثى حديثها باكية: «رأسي وأذناي وعيناي، قُطعت قطعة بعد قطعة. وكان قطع الرأس أشدّ إيلامًا على وجه الخصوص؛ فقد قطعته الطبيبة مرات كثيرة، واستخدمت أيضًا خطّافًا على هيئة سكين مدبّبة ليجذبني إلى الخارج، وأمسكتني بملقط، وغير ذلك. كلما قطعت جزءًا مني، شعرت بألم بالغ الشدّة، ولم تكن في جسدي أيّ قوّة للمقاومة، وظلّ الدم يسيل بلا توقّف. لن أنسى هذا العذاب أبدًا، أبدًا. وكانت الطبيبة التي أجرت الإجهاض هذه المرة، على وجه الخصوص، قليلة الخبرة؛ كانت حركاتها أبطأ من الطبيب السابق، وارتكبت أخطاء أيضًا. كان يمكن أن يكون عدد القطعات أقلّ، لكن أخطاء الطبيبة وسوء أدائها أدّيا إلى استخدام أدوات إضافية زادت الألم؛ فقد استخدمت، مثلًا، قضيب التحريك وأداة الشفط والخطّاف وغيرها مرات أكثر من المرة السابقة. كل هذه الآلام كانت بسببهما وحدهما، لأنهما لا يريدانني. لن أسبّب المتاعب للطبيبة، لأنها اقترحت عليهما أن يسمحا بولادتي، لكنهما لم يستمعا. إنهما من منعاني من رؤية ضوء الشمس، والخطأ خطؤهما؛ فقد أرادا موتي مرة بعد مرة. سأكرههما كليهما أشدّ الكراهية إلى الأبد. أريدهما ألّا ينالا ميتة طيّبة أبدًا، ألّا ينالا ميتة طيّبة، ولن أدعهما أبدًا.» ثم اندفعت في موجة أخرى من البكاء المؤلم. آه! يا له من أمر! إنها تحمل ضغينة ورغبة في الانتقام شديدتين جدًا. يبدو أن هذين الوالدين في عالم الأحياء بحاجة حقًا إلى توبة وندم بالغين. فما الفرق في الحقيقة بين ولادة صبيّ وولادة بنت!
قال قاضي العالم السفلي: «لقد أذن ياما لروح هذه الطفلة مرة أخرى بأن تولد لدى الوالدين نفسيهما للمطالبة بدَينها. وهذه المرة، يمكنها أن تحمل في يدها تصريحًا أصفر وتقيم في رحم أمّها. وعندما تتّخذ هيئة بشرية، سيكون هذا التصريح الأصفر عند موضع الأعضاء التناسلية تمامًا، فيظنّ الطبيب خطأ أنها صبيّ. وخلال حمل أمّها بها، ستنال روح هذه الطفلة عطف والديها ورعايتهما، وسيترقّبان قدومها. وبالطبع، ستخيب آمالهما في النهاية، إذ ستولد بنتًا. هذا هو حكم ياما. فهما لم يلتزما بما عليهما، وانتهكا نظام قوانين العالم السفلي، وارتكبا جريمة القتل. وكانت الأسرة في الأصل تتمتّع بأوضاع وبركات كارمية لا بأس بها، لكن بسبب فعلَي القتل المتمثّلين في الإجهاض مرتين، جرى بالفعل تقليص بركاتهما في جميع جوانبها وتقصير عمريهما. وسيكون عليهما بعد ذلك أيضًا أن يسدّدا الجزاء المتمثّل في عقوق روح هذه الطفلة لهما. وفي الحقيقة، ليس الأمر أن ياما حكم بأن يتعذّب هذان الوالدان ويشقيا في المستقبل، وإنما أنهما لم يلتزما بنفسيهما بالقانون الكوني الذي يحرّم قتل الإنسان. فلو أنهما أنجبا هذه الطفلة عند الحمل الأول، لما قُلّصت بركاتهما في جميع جوانبها وقُصّر عمراهما. من يصنع سببًا كهذا ينل نتيجة كهذه. وأيًّا كان الكائن الذي يقتله المرء، فلا بدّ أن يتحمّل مستقبلًا الجزاء المتمثّل في أن يُقتَل على يده، وقِصَر العمر، وكثرة المرض. ومهما تسارع تطوّر العصر والتكنولوجيا، فإن القواعد الأساسية الثلاث للفضيلة الخفية في قوانين العالم السفلي — إنقاذ حياة إنسان، وإعانة الأرملة على الحفاظ على عفّتها، وفعل الخير الأسمى دون أن يعلم به الناس — لن تتغيّر أبدًا. كما أن معايير السماء والأرض والعلاقات الإنسانية لن تتغيّر أبدًا، ولكل حياة حقّها في البقاء. كل يوم، تأتي إلى العالم السفلي أرواح أجنّة كثيرة جدًا لتسجيل حضورها بسبب تعمّد من كانوا سيصبحون آباءها وأمّهاتها في عالم الأحياء إجهاضها. وستعاقب قوانين العالم السفلي بشدّة الكائنات التي ترتكب هذا النوع من القتل. وحتى تحريض الآخرين على الإجهاض يؤدّي إلى نقصان البركات وتقصير العمر، فكيف بمن يُجهض بنفسه. وعلى العكس، فإن إقناع الآخرين بعدم الإجهاض يمكن أن يزيد البركات ويطيل العمر، وسيسجّل العالم السفلي استحقاقًا خفيًا عظيمًا من الخير في سجلّ حياة المرء وموته. وبذلك ينفع نفسه وينفع غيره.»
واصل قاضي العالم السفلي تعليمي، فقال: «أصبحت الكائنات في عالم الأحياء اليوم تفتقر بشدّة إلى فهم السبب والنتيجة، وتظنّ أن الطفل، ما دام لم يولد، لا يعرف شيئًا. والحقيقة أن الحياة، منذ انعقاد الحمل بها، تكون كالإنسان، إلا أنها ما زالت شديدة الهشاشة؛ فهؤلاء لهم ذاكرة ويستطيعون الشعور بالألم أيضًا. ولا سيما أرواح الأجنّة الذين اتّخذوا هيئة بشرية؛ فإن مستوى إحساسهم بالألم أشدّ ممن مضى شهر واحد فقط على انعقاد الحمل بهم، وهكذا. آ يو، استمعي إلى شكاوى أرواح الأجنّة في «مدينة البكاء للموتى ظلمًا»، وستعرفين أن الأمراض النسائية وآلام الظهر والصداع وشتى العلل الجسدية المستعصية التي لا تُشفى رغم طول العلاج لدى الأمّهات اللواتي أجهضن في عالم الأحياء، كلّها مرتبطة بهذه الأرواح.»40
نظرتُ إلى «مدينة البكاء للموتى ظلمًا» هذه، فإذا بها هائلة لا مثيل لها، ولا أستطيع بقدرتي أن أرى حدودها. وكان البكاء فيها متواصلًا، يصمّ الآذان. إن حالهم يدعو إلى أقصى الشفقة حقًا!
فلأذهب قبل الرحيل لرؤية روح تلك الطفلة التي توشك أن تتجسّد من جديد. قلتُ: «أميتابها! يا أختي الصغيرة، لا تبكي. تذكّري أن تبرّي والديك بعد أن تولدي! فالأم ستتكبّد أيضًا مشقّة كبيرة بحملك عشرة أشهر41، ثم متى ينتهي الثأر المتبادل؟ ما دام ياما قد منحك تصريحًا، فلن تعاني ألم الإجهاض هذه المرة، فدعي الأمر عند هذا الحدّ.» لكن روح الطفلة أجابت فورًا بغضب بأن ذلك مستحيل، وأنها لن تدعهما أبدًا.
قلتُ: «فكّري في الأمر هكذا! لولا تصريح ياما، فربما لم تعرفي كم من الوقت ستضطرّين إلى الانتظار حتى تتمكّني من التجسّد من جديد. عليك أن تشكري ياما!» وحين سمعت كلامي، بدأت تكفّ عن البكاء، وكأنها وافقت على ضرورة شكره. قلتُ لها إن عليها أن تشكر ياما على فضله، فأجابت بأنها ستشكره، لكنها مع ذلك لن تدع والديها.